محمد جمال الدين القاسمي

285

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الأرض ، فخلفهم فيها آدم وذريّته ، وأن يراد : خليفة مني ، لأن آدم كان خليفة الله في أرضه . وكذلك كل نبيّ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [ ص : 26 ] والغرض من إخبار الملائكة بذلك ، هو أن يسألوا ذلك السؤال ، ويجابوا بما أجيبوا به ، فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم ، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم ، أو الحكمة : تعليم العباد المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها ، وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم - وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيّا عن المشاورة - أو تعظيم شأن المجعول ، وإظهار فضله ، بأن بشّر بوجود سكّان ملكوته ، ونوّه بذكره في الملأ الأعلى قبل إيجاده ، ولقّبه بالخليفة . قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ هذا تعجب من أن يستخلف - لعمارة الأرض وإصلاحها - من يفسد فيها ، واستعلام عن الحكمة في ذلك . أي : كيف تستخلف هؤلاء ، مع أنّ منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء ؟ فإن كان المراد عبادتك ، فنحن نسبّح بحمدك ، ونقدّس لك - أي ولا يصدر عنا شيء من ذلك - وهلّا وقع الاقتصار علينا . . . ؟ فقال تعالى مجيبا لهم إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ أي : إنّ لي حكمة - في خلق الخليفة - لا تعلمونها . فإن قلت : من أين عرف الملائكة ذلك حتى تعجّبوا منه ، وإنما هو غيب ؟ أجيب : بأنهم عرفوه : إما بعلم خاص ، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية . فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * [ الحجر : 26 ] أو فهموا من « الخليفة » أنه الذي يفصل بين الناس ، ما يقع بينهم من المظالم ، ويردعهم عن المحارم والمآثم . قال العلّامة برهان الدين البقاعيّ في تفسيره : وما يقال من أنّه كان قبل آدم ، عليه السلام ، في الأرض خلق يعصون ، قاس عليهم الملائكة حال آدم عليه السلام - كلام لا أصل له . بل آدم أوّل ساكنيها بنفسه . انتهى . وقوله تعالى : نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ أي : ننزّهك عن كل ما لا يليق بشأنك ، ملتبسين بحمدك - على ما أنعمت به علينا من فنون النعم التي من جملتها توفيقنا لهذه العبادة . وقوله نُقَدِّسُ لَكَ أي : نصفك بما يليق بك - من العلوّ والعزّة - وننزّهك عمّا لا يليق بك . وقيل : المعنى نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك . كأنهم قابلوا